Home Category Table الحياة الحزبية، ومفهوم الوحدة
الحياة الحزبية، ومفهوم الوحدة صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها ناصر الحجاج   
الثلاثاء, 02 أغسطس 2005 00:00

التركة الدينية التي تهدد التعددية 

ليست الديمقراطية وحدها ما يرفض القاموس العربي إدخالها إلى مفرداته باعتبارها نتاجا للآخر الأجنبي، بل ان العرب أنفسهم لم يعرفوا مفردة “الحزب” بالمعنى الحالي المتداول سياسيا إلا في بدايات القرن الماضي. ومع كون مفردة “حزب” متداولة في الادبيات الاسلامية، مما قد يوحي بإلفتها لدى المسلمين العرب خاصة، إلا ان الحقيقة هي إن هذه المفردة أي الحزب ـ والتي تبدو عصرية ـ تحمل من الإرث المعنوي الديني تركة قرآنية جد ثقيلة، بحيث يبدو من الصعب أن يحلّ المعنى المعاصر لمفهوم الحزبية أو التحزب بديلا عن المعنى المقرون بالسلبية في بعده التعددي، "من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون . الروم 32" ـ قرآن كريم.

إن من أشد أبعاد الحزبية قسوة اعتبار الحزب أو التحزب شرخا أو تصدعا لجدار “الامة”، بمعنى ان الانتماء للأمة “الواحدة” يلزم جميع أفراد هذه الامة بالانضواء تحت حزب واحد، وقائد واحد، وما دامت أمة المسلمين في المفهوم الاسلامي أمة واحدة "وإن هذه أمتكم أمة واحدة، أنا ربكم فاعبدن" .المؤمنون 52 ـ قرآن كريم. فإن من الطبيعي أن يكون للأمة الواحدة حزب واحد هو “حزب الله” يمثلها كلها، بحيث يعد كل خارج منه، أو مخالف له أو ممتاز عنه، أو ناقد له شيطانا، عاصيا، كافرا، أو مرتدا، .. وهو بالتأكيد فرد في حزب آخر، أجنبي، خارجي، هو حزب الشيطان. هذه الثنائية القاتلة التي رسمتها أنظمة الحكم الشمولية عبر التاريخ الاسلامي، والتي تسببت في القضاء على حياة الكثير من التيارات الفكرية، المعتزلة مثلا، كما انها قطعت أعناق الكثيرين تحت مسميات مثل: الكفر، الردة، الزندقة، الشعوبية، الرفض، وغيرها من التهم التي كانت كفيلة بأن تجعل من مجرد التفكير في الاختلاف ذنبا يعاقب عليه الخليفة “ظل الله في الارض” على اعتبار ، ان "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ـ حديث نبوي ـ تلك النار التي يصلاها المساكين في الدنيا قبل الآخرة. هذه الثنائية ما زالت وإلى يومنا هذا متمكنة حتى من أذهان النخبة المثقفة، إلا إن ما يمنع الكثيرين من التصريح بها للعلن هو نفاقهم ، أو لأنهم لا يرون أن الوقت قد حان للإعلان عن دولة الخلافة الواحدة التي يمنون النفس بالوصول إليها بأي ثمن، ولو كلف الامر القضاء على نصف الكرة الارضية.  

بدائل دينية بثوب علماني

إن مفهوم الوحدانية، أو التوحيد، ومفهوم الامة الواحدة تكرَّس أكثر فأكثر في القرن العشرين من خلال حلول مفهوم جديد هو مفهوم القومية العربية، التي تبنتها الأحزاب القومية الجديدة، ومنها حزب البعث العربي في أواسط القرن المنصرم، حيث اعتمد هذا الحزب على المفاهيم المتوارثة للحزب الواحد، وخلط خلطا عجيبا بين مفاهيم الوحدة، المرتبطة بمفهوم التوحيد الإسلامي، ومفهوم "يد الله مع الجماعة"، والحرية، التي لم يكن لها أي وجود فعلي، إلا إذا اعتبرنا إن الحزب يعتبر الحرية من الأحلام التي قد تتحقق فيما بعد، وبين الاشتراكية التي جعلها هدفا ملحقا، ربما لينافس الشيوعيين، ربما، بأنه يحمل هدفهم وأكثر منه. حزب البعث الذي أخذ الكثير من مفرداته من القرآن، البعث، والامة، والوحدة، الرسالة، الخالدة ... كان نموذجا دينيا بشعارات تبدو للوهلة الأولى علمانية، لكنه في صميم أدبياته، إن أمكن قول ذلك، كان يكرس المفهوم الديني القديم نفسه، فأسس للوحدة العربية بديلا عن الوحدة الإسلامية، وجعل من فلسطين قضيته المركزية، ليصبح الصراع بين الإيمان والكفر متمثلا في الصراع بين “الأمة العربية” واليهود، “الكيان الصهيوني”، كما أن الحزب نفسه، ومن هو على شاكلته من الأحزاب التي تنادي بالقومية العربية أشاعت مفاهيم جديدة منها مفهوم المؤامرة، ومفهوم العمالة للأجنبي، ومفهوم شق الصف، ... وهذه مثلا تقابل مفاهيم إسلامية متوارثة، منها “الشعوبية، والارتداد، وشق عصا المسلمين..” وجعل حزب البعث العربي من تلك المفردات بدائل معنوية عن الدين، وإن كان “البعث” بحد ذاته مفهوما قرآنيا.  

العمالة للأجنبي والخروج عن الدين، الحزب

ولأجل إخضاع الشعوب العربية إخضاعا تاما لسلطة الحاكم المطلق الرئيس، الملك، كرس حزب البعث مفهوم العمالة للأجنبي، هذا المفهوم، النعت الذي يعد كفيلا بإيصال صاحبه إلى حبل المشنقة. فالأجنبي يعني العدو بهذا المفهوم الجديد، ولا يجوز لأي مواطن أن يمد يده للأجنبي دون موافقة الدولة، التي هي الحزب، والتي هي الحاكم بأمر الحزب، الدين. ومع تسليمنا أن الفهم الديني مختلف تماما عن الدعوة الدينية، وان تصرفات الخلفاء والقادة إنما هي سلوكيات شخصية أسبغ عليها قدسية دينية، لكننا نتساءل: هل يمكن القول بأن الحزب في المفهوم العربي المعاصر بات يعني الدين؟ يبدو الجواب بنعم هو الأقرب للتصديق، لا سيما من خلال النماذج الحية لمسيرة حزب البعث الذي ألغى كل التنوعات وقضى من خلال مفهوم (يمكن أن نطلق عليه اسم) العربنة* على جميع التمايزات العرقية والفكرية في المنطقة الممتدة من المغرب إلى العراق. الكرد، الأرمن، الشركس، القبط، الأمازيغ، بات عليهم في زمن القومية العربية أن يختاروا بين أمرين أحلاهما مر، بين أن يتخلوا عن أصولهم وينتسبون إلى العرب، رغما عنهم، أو أن يصروا على انتسابهم إلى تلك القوميات (الأجنبية) ومن ثم البقاء على هامش المواطنة، باعتبار أن العرب أشرف الأقوام ونبيهم محمد بن عبد الله العربي هو أشرف الأنبياء، ناهيك عن أن اللغة العربية لغة القرآن هي أشرف اللغات، وهي "لغة أهل الجنة". هكذا بات الحاكم العربي هو النبي الجديد للعرب، وبات ما كان يسمى بالامس أمة إسلامية، أمةً عربية، وبات كل خارج عن تينك المفهومين خارجا عن الملة مهدور الدم والمال والعرض. هذه السطوة القاسية لمفهوم الوحدة العربية حالت دون نشوء أحزاب أخرى خارج الإطار القومي، حتى ان الحزب السوري، ألحق بتسميته القومي الاجتماعي ليكون بمأمن، ربما، من ان يقام عليه حد الخروج من الامة العربية. فقمع الكرد والتنكيل بهم باعتبارهم انفصاليين، واعتبار الانفصال خروجا عن الطريق القويم، وقتل الشيعة وتهجيرهم نحو الحدود الإيرانية باعتبارهم فرسا، أو مجوسيين، هي بعض الأوجه المتعددة لسلطان القومية العربية الذي لم يتح المجال للمصريين كذلك لأن يقول قائلهم إنه غير عربي، وإن أجداده لم يأتوا من نجد أو الحجاز، أو ان يفسح المجال للبربر أو الأمازيغ للحديث بلغتهم أو أن يشكلوا حزبا يفتخر بتراث آخر غير تراث “العرب”. هل هناك قوم أشرف من العرب، وهل ثمة أمة أفضل من أمتهم!! ومثلما انقرض المعتزلة الذين أغنوا المكتبة الاسلامية بمؤلفاتهم، وفكرهم الحر كالحسن البصري والجاحظ، وابن أبي الحديد ومن سواهم، انقرضت أو كادت أن تنقرض لهجات غير عربية في المنطقة، وأزياء وطرق عيش وأساطير وعقائد غير إسلامية، وغيرها من التمايزات التي أغفلها المسلمون أو أقروها وسلموا بوجودها، حتى جاء الدين العربي الجديد المتمثل بالحزب الواحد ليقضي عليها أو ليضعها في مرتبة الحضيض، ويسم معتنقيها بالغرابة، والخروج عن المألوف، وربما بالضلال عن الطريق القويم للحزب الواحد والأمة العربية الواحدة.  

الأفكار المستوردة، الأفكار الهدامة

أما وقد اعتبر الحزب الواحد كل مختلف ومغاير لفكره خروجا عن الأمة الواحدة، فإن من الأولى لهذا الحزب أن يسم كل فكر قادم من خارج حدود “الوطن العربي” بالفكر الهدام، على اعتبار أن الفكر البناء وحده، هو “الفكر العربي”. ولهذا ألف العديد من الكتب التي ترسم ملامح صراع جديد هو الصراع بين العرب والغرب، أو بين الإسلام والغرب، الى الحد الذي بات من البديهيات أن يقرّ العرب بأن “الاستشراق” هو في أكثر تشكلاته استمرار للحركة الصليبية التي بدأت جراء الاحتكاك الاسلامي المسيحي في الاندلس، وأن المستشرقين ليسوا مبهورين بسحر الشرق ومتعته الآيلة الى الزوال، بل هم وجه آخر من وجوه الغزو الغربي لهذه المنطقة التي يتآمر عليها العالم كله لأنها مهبط الرسل والانبياء،..؟! وبالمقابل بات التأثر بالغرب استغرابا أو عمالة للأجنبي. لقد أدى اعتبار الإسلام فكرا منقطعا عما حوله من الأفكار والعقائد والديانات مثل اليهودية والمسيحية، واعتبار بعض المسلمين القدامى أن القرآن لا علاقة له بالتوراة ولا بالانجيل، الى اتهام كل فكر يحاول تلمس أوجه الشبه والالتقاء بين الاسلام وغيره من الأديان السماوية كفرا، أو ارتدادا، مثلما اعتُبِر الفكر الشيعي، على سبيل المثال، فكرا شعوبيا لأنه بزعمهمم متأثر بالفكر اليهودي والنصراني، وربما المجوسي. هذا الافتراض الذي صار اقتناعا يطبق بشكل عنيف على الواقع العربي حيث لم يبرز للعلن جراء تلك السطوة أي حزب مسيحي، ولا برزت أية منظمة يهودية داخل البلدان الناطقة بالعربي. بل أن زيارة واحدة لإسرائيل يقوم بها أحد أعضاء حزب ما كفيلة بأن يوصم ذلك الحزب كله بالعمالة للصهيونية، وبالتجسس للاستكبار العالمي، ومن ثم تفسر كل طروحات هذا الحزب على أنها دعوات للتطبيع مع "العدو الصهيوني".  

هل ثمة أمل في التغيير!؟

بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق على أيدي قوات التحالف عام 2003 تبدت حقائق مذهلة للعرب، أولها أن ما كان العرب يدعونه أمة عربية واحدة ما هو إلا عدد من الدول ذات نظم دكتاتورية متنافرة، يتربع القمع قاسما مشتركا على عرشها. وتكشف لهم أيضا أن الكرد يعتزون بقوميتهم التي قدموا من أجلها أكثر مما قدم العرب أنفسهم لأمتهم “العربية” من تضحيات، سواء على صعيد النضال المسلح أو النضال السياسي، أو على صعيد تعرضهم للنفي والتهجير والضرب بالأسلحة الكيمياوية. تكشف للعرب أيضا أن هناك اتجاها داخل الأمة هو الاتجاه الشيعي الذي ظل طيلة قرون طويلة إما مقصيا عن إدارة الدولة، أو متهما بالشعوبية، أو مقتولا فردا كان كالحسين بن علي أو كيانا إسلاميا، كالدولة الفاطمية التي قضى عليها القائد صلاح الدين الأيوبي. النهر العراقي الذي جرى ماؤه في روافد كثيرة هو أبرز ملامح انكسار الصورة القديمة للأمة، وللوحدة، وللشرعية أيضا. ولعل المثالين الشيعي والكردي الذين يصعب الآن على العرب السنة قبول فكرة أنهما مساويان لغيرهما من العرب، هما وجها الحقيقة التي ستدفع بقوميات أخرى في بلدان مثل سوريا والأردن لأن تعلن أنها ليست عربية، ولتيارات أخرى في اليمن ومصر وإيران لأن تعلن عن أطروحاتها الدينية أو الفكرية المغايرة. حيث لم يعد مجديا وصم الشيعة والكرد بالعمالة للولايات المتحدة، مادامت مصر والاردن تتقبلان المساعدات الأميركية بابتسامة عريضة. لم يعد حائلا بين الكرد وبين مطالبتهم بحقوقهم المشروعة أن يقال عنهم إنهم إنفصاليون، ولم يعد يوقف الشيعة عن الاستمرار في العملية السياسية وإدارة الدولة أن ينعتوا بالشعوبية. ثمة تغير كبير بدأ يخلخل أبنية قديمة ظلت لقرون تدعو لإلغاء الآخر من أجل ما تسميه وحدة، وتقضي على المختلف بحجة الاعتصام بالأمة. تغيير كبير يبشر بأن هذه الأمة بدأت تتعرف على أعضائها وعلى خصائصهم المتنوعة، لتصل في النهاية الى قناعة مفادها أن الاختلاف سنة الحياة، وأن الجسد الذي لا يتبادل الماء والهواء مع المحيط جسد ميت لا محالة.

 العربنة: على وزن العلمنة هي نسبة الانجازات الإسلامية أو غيرها إلى العرب، واعتبار الرموز الإسلامية والتاريخية رموزا عربيا محلا للفخر. كاعتبار البعثيين نبوخذ نصر رمزا للفخر، أو كافتخارهم بصلاح الدين الأيوبي القائد الكردي، وغيرها.

البحث منشور في مجلة أوراق ديمقراطية لشهر آب 2005 العدد الرابع

آخر تحديث الجمعة, 03 يوليو 2009 05:49