أود في هذه السطور إلقاء الضوء على ثلاثة رموز وردت في قصص «ألف ليلة وليلة» العراقية وهي «السندباد البحري» و»علاء الدين والمصباح السحري» و»علي بابا والأربعين حرامي»، محاولا قراءة تلك الرموز ـ باعتبارها تمثل انعكاسا لواقع اجتماعي خلال الفترة العباسية ـ بحثا عن شخوص تلك الرموز على أرض الواقع الاجتماعي العراقي المعاصر. ومثلما يمكنني أن أقرأ شخصية «دراكولا Dracula, Vampire» التي وظفها الروائي البريطاني برام ستوكر 1847-1912 عن شخصية مصاص الدماء، يمكنني أن أقرأها على أنها تمثل فترة الاستغلال الطبقي (الطبقة الحاكمة، طبقة الإقطاعيين) أو عقلية الاستعمار المبنية على «مص» دماء وثروات الشعوب ومن ثم تركها جثثا هامدة لا حراك فيها، أو تحويلها إلى الدوران في فلك و»عقلية» الدول المستعمرة. يمكنني أيضا قراءة شخصية «رامبو» في هوليوود الأميركية ليس كانعكاس لروحية «الكاوبويز» المحدودة، بل على أنها انعكاس لما بات يطلق عليه اليوم « Metrosexual» المدني المشغول بمظهره والمهتم بجسده، والتي دخلت القاموس الإنكليزي لأول مرة عام 1994 عن طريق الكاتب مارك سيمبسون ولا أظن أنه تمت ترجمتها للعربية حتى اليوم، وتبدو شخصية «رامبو» البطل الذي لا يقهر واضحة اليوم في المجتمع الأميركي الذي بات يقبل على الأندية الرياضية لا من أجل الصحة والمتعة فحسب، بل من أجل المظهر اللائق بشكل أكبر.
السندباد المغامر والباحث الحر
لم تصنع شخصية السندباد في كتاب «ألف ليلة وليلة» إلا للدلالة على شخصية موجودة في المجتمع «العراقي» آنذاك، ولذلك فهي ترمز إلى وجود كان يتمتع بالحياة، لكنه يمثل اتجاها في الشخصية العراقية آنذاك، أراد الكاتب أن يوظفه كقصة خرافية ليرسم للقارئ طريقا آخر للعيش. فالسندباد رجل يحب البحر، وقد لاقى الكثير من أهواله، وهو مع كل ذلك يحب المغامرة ويستمتع بلذة الاكتشاف والمعرفة، والتعرف على عوالم غريبة أخرى، وعلى شعوب ذات عادات وأعراف وتقاليد مختلفة تماما عما يعرفه العراقيون. السندباد، رجل قوي، لكنه اجتماعي، مغامر لكنه مؤمن بالله، يحب أن ينتصر للقوة، والمعرفة، والحق ولكن دون أن يكون لها ضحايا، تماما كالحكمة التي تقول: «بإمكانك أن تبلغ مراتب الرفعة دون الصعود على أكتاف الآخرين، وبإمكانك أن تنتصر دون أن يكون لك ضحايا».
هذا هو السندباد، وهو بيننا، وربما تمثل شخصيته قمة الحضارة التي تحدث عنها أستاذنا علي الوردي بمثاله عن العراق «ببستوكة الطرشي» التي تشير إلى المجتمع البصري، وأقصد بالمجتمع البصري هو المجتمع الممتد على ما قبل حدود معاهدة سايكس بيكو من أطراف شيخ سعد شمالا، حتى قطر جنوبا، ومن الديوانية غربا حتى الدوركي والخفاجية شرقا، هذا هو المجتمع البصري منذ ما قبل ألف ليلة وليلة وحتى قبل بضع عشرات سنين، ولكننا بعد تقسيم المحافظات العراقية الذي تلا المعاهدة بتنا نشير إلى الناصرية على أنها غير البصرة، وإلى العمارة على أنها غير البصرة، لكنما القراءة التاريخية والاجتماعية والنفسية والجيوسياسية تستلزم الاعتراف بأن لشخصية الفرد العراقي الذي يقطن في «البصرة الأمة» صفات محددة وعلامات فارقة عن غيرها من المناطق الأخرى، كبغداد، والموصل وما جاورهما.
السندباد كشخصية واقعية حقيقية، موجود بيننا اليوم وهو محب للقراءة والإطلاع، والمعرفة، والسفر، وروح المغامرة. يتابع ما يكتب في أوربا، والأمريكيتين، وربما روسيا، واليابان. شخصية السندباد الذي يفضل المعرفة والصداقة على المال والثروة موجودة بيننا، فهو يشترى الكتب حتى بالدين، وينفق كل ما عنده ليكرم صديقا، ويجتمع على طاولة واحدة وعلى هم واحد مع كل «المختلفين» في الدين والطائفة والقومية والاتجاه السياسي. السندباد وجه رائع من وجوه الشخصية العراقية اليوم. ينشغل غيره بجمع المال، وحوسمة ممتلكات الشعب، وبالمناصب، وهو يبحر مع من يحب يمخر عباب الثقافة والتاريخ والفلسفة والجمال والشعر.
علي بابا وإباحة السرقة والفرهود
أما شخصية علي بابا «ألحرامي» السارق الذي يترك السرقة وقتا، ثم يهتدي إلى سر السرقة الكبرى، ويعرف «الشيفرة» والإشارة الخاصة بفتح مغاليق الأبواب، فيستخدم «إفتح يا سمسم» وهي كلمة السر «المفتاح، الكود» الذي يمكنه من دخول المغارة الكبرى المليئة بالذهب والمجوهرات التي تنوء بحملها الجمال. علي بابا بيننا اليوم شخصية تعرف «من أين تؤكل الكتف»، تعرف كيف تسرق المال ممن سرقوه، تعرف كيفية الوصول إلى «أسرار لعبة السرقة»، فكلمة افتح ياسمسم تعني اللغة والأسلوب الذي يفتح «أبواباً» كثيرة كلها تدل على الثروة التي يمكن للقارئ تصورها.
وابتداء من الفرهود، والحملات ضد الأكراد، أو ضد الكويت، أو حتى في البيت العراقي الواحد نجد شخصية علي بابا الذي طالما يجد مبررا لسرقته المال، بحجة «أن المال مال مسروق أصلا» سواء سرق بالحيلة والدهاء، أو أن الآخرين سرقوه أصلا، فعلي بابا لا يبدو حراميا، بل قد يبدو كروبن هود أو كأحد الصعاليك الذين يأخذون مال الأغنياء ويضعونه بين يدي الفقراء. من يدري، فعلي بابا شخصية ذكية تعرف «سر السرقة وشيفرتها». كما لا ننسى توظيف علي بابا للمرأة التي تساعد في كسب المال ومحاربة السارقين وسرقتهم.
علاء الدين والاستقواء بالجن والقوى السرية
لا أزال أتذكر قول العراقيين الذين استبد بهم حكم صدام حسين حتى خارت قواهم «خلي يجي أي واحد يحكم العراق ولو كان الشيطان». ويبدو أن «علاء الدين» استطاع بمصباحه السحري أن يتوصل إلى الحل، لكنه حل يشبه تماما علاجاً سبب الألم بالتخدير، فعلاء الدين رجل كسول، خامل، أو كما نسميه بالعراقي «تنبل» وتلفظ «تمبل» كما تلفظ أنبار، «أمبار» وعنبر، عمبر لتقارب مخارج الحروف. ولأن علاء الدين تنبل، كما هو حال «تنابلة هارون الرشيد» أو «تنابلة عبد الحميد» فقد اهتدى إلى مصباح سحري، يفركه فيخرج منه المارد الجني الذي يحقق له ثلاثة من أعظم طلباته أو قل أحلامه.
وهنا يمكن قراءة هذه الشخصية كرمز إلى تلك الشخصيات العراقية التي تقضي نهارها بالنوم، وليلها بالسهر، وتنفق أموالها على التفاهات ثم عندما تستيقظ تريد منقذا جبارا كالولايات المتحدة أو غيرها لإسقاط النظام الجائر الذي صفقت له سنين طوالا ولضبط الأمن، وتامين الخدمات، وإجراء الانتخابات، فإذا لم تجد هذه الشخصية قوة خارقة تصنعها وتتشبث بها وقد تتوسل بالأولياء وبالنذور وبالأدعية كوسائل سحرية وقوى خارقة تحقق لها أحلامها «المريضة». ويمكن أن نقرأ استعانة «علاء الدين» بالجن، استعانة هذه الشخصية بالطرق الاستخباراتية والسرية وما شابهها من أجل تحقيق أحلام كبيرة لا يستطيع العمل اليومي المحدود تحقيقها، أولم يحقق الجن معاجز لنبي الله سليمان عليه السلام.
هذه قراءة سريعة لثلاثة أقنعة اسطورية، آمل أن تكون القراءة التالية لشخصيتي شهرزاد وشهريار
منشور في جريدة المدى 20 نيسان 2009