|
1- أوان الكلام مشتت بيني وبينه، أعني هو" الذي أبصر .. " أعني أنا. الكلام من أرواح، والسكوت من ذهب. ربما لأجل هذا وحده كان السكوت عباءة تلك الكائنات اللاتعرف سوى السكوت. قلت في خلودي الذي يشبه العدم، لأنه منفاي: أدفع روحي، أدفع بروحي نحوه، نحو الكلام، لا ذهب عندي، لكنني لا أريده، لم أكن أنتظر جواباً كان الكل منشغلاً بسكوته الذهبي، لم يكونوا قادرين على الكلام. إشاراتهم أعرفها جيداً، هي آخر ما يملكون، لكنها إشارات مقاتلة، قاتلة، إشارات لا تريد إلا ذهب.. السكوت.
1- قال لي وحده: أنت معي، قلت: لكنهم كثيرون، من سيصدق أن اثنين مثلنا يستقبلان وجه الله، وتلك الآلاف تستقبل وجها آخر... الصورة باهتة لمصليين: كهل وصبي، ينفردان معاكسين جموع الركع السجود في مسجد أمير المؤمنين الكبير.. قلت بإمامتك، قال أنا جئت لآتمّ بك فاتفقنا على أن يأتم كلانا بالآخر وكانت تلك أول صلاة وصلتني بغربتي، ونفيي، وبه هو الذي لم يغب عني، حتى صار معي في الوقت كله، صار في كل كلماتي، وصيّر كلامي روحاً، وقال الروح من أمر ربي. 2- كانت آلهتي كثراً فجعل الآلهة كلها إلهاً واحداً. كانت المساجد كثراً فجعل الأرض كلها مسجدا رأيته البارحة باكياً يمسك ببقايا عظام صديقين لي قتلهما العسكر، قال من منهما..؟ قلت كلاهما، قال أيهما..؟ قلت كلاهما، قال هل أحدهما.. قلت كل منهما .. وبكيتُ أنني لم أكن معهما. كنت معه البارحة وكنت أقول أينا؟ فلا أعرف من منا، وكان معي وهو يسأل نفسه السؤال نفسه لم يكن الكلام مشتتاً بيني وبينه. كان الكلام بيني وبينهم مشتتاً. 3- لقد تكلموا أخيراً قال أميرهم الجديد أن تكلموا الآن فالكلام من ذهب، وكان دينهم ذهباً. .. ذهبٌ دينهم، ذهب كلامهم.. 4- يا ابراهيم .. الذي وجدت خليلك، هم وجدوا خلهم، هم باحثون عن الذهب، هم باحثون عن السكوت، السكوت مصنوع من ذهب. اتكأت على جذع نخلة في "القرنة" ولم أحلم لأنني كنت ثمة في حلم! بعد أن قتلني أخي لم تكن ثمة مقابر جماعية، لكنني كنت أشعر أن جسدي كثيرون، لذا قلت له وقد كان شاهدي الوحيد: هل لي أن أعود ثانية؟ فأشار .. قال تعود لتقتل، وتقتل لتعود!؟ ارتضيت قراره لأنني لا أريد ان أكون قاتلاً، لكنني لا اريد أن أكون مقتولاً، لذلك كنت أُقتَل كل مرة بصمت، أموت بصمت، وأعود بصمت، لكن قابيل الذي هان عليه قتلي كان في كل مرة، يأمر بحفر قبري قبل أن أعود!! 5- كان إبراهيم في صلب نوح، وكانت والدتي تراقب التنور في "الهوير" حتى فاض من حزنها عليّ. كان نفيي الثالث الى أطراف الهور. قال نوح: من لم ينح فليس مني ومن ينح فإنه مني، فعرفت والدتي أن التنور للرغيف وأن الرغيف للحياة، وأن الحياة للنوح. فكنا هناك. 6- جاء إبراهيم إلى أطراف مملكة نوح، جاء الى "الهوير"، الى "هور" سماه "أور". وكان يلازمني كنسيان، ويسالني كوقت، حتى أخبرته بحطبهم الذي جمعوا وبنارهم التي أوقدوا، وخرجنا معاً، كعصفورين من بين دخان القصف، كان الجو غاضبأ لرحيلنا، لكن الآيات والتعاويذ التي قرأناها عليهم أعمت أبصارهم عنا، وخرجنا من جنة عدن ثانية، خرجنا من "القرنة" عبر النهر. 7- عند مرج البحرينِ كانت تلتطم سفن السندباد. وكان البحارة يصيحون بالخليج صيحة السياب. لكن الجثث التي اصطفت على الشاطئ دعتهم إلى السكوت الذهبي. فكان عصر هارون عصر بغداد الذهبي. 8- الآن معك أتكلم كنبيء، لا يملك لا خاتما ولا كتاباً الآن أقول لك كراع لم يترك له إخوته شاةً، ولا عصا يهش بها الآن أقول لك وأنا لا أملك بطاقة لجوء إلاّ إلى حفرة الغراب القابيلى. الآن أقول لك وقد أفردْتني أصلّي مؤتمّا بك، وحيداً في الأرض التي لم تبارك فيها لأحد.. الأن أقولُ روحي، ولا ذهبَ عندي، ولا ذهب أريد حيث ملئت الأرض بي مرات، وخرجت منها مرات أنا الآن بعظام من أمشي، وبروح من أتكلم؟ ديترويت الاربعاء، 02 تموز، 2003 |