email

0146-33-654

logotype
image1 image2 image3

أيها الكرد، علموا العرب

تجربتان جديدتان في إدارة الدولة في العراق، تجربة يقودها الكرد، وأخرى يقودها العرب. تجربة الكرد مع إدارة الدولة بدأت أوائل عام 1992 أي بعد أشهر قليلة من قمع نظام صدام لانتفاضة العراقيين عام 1991 وتهجير المواطنين الكرد إلى إيران وتركيا. ولكن سرعان ما استطاع قادة الفصائل الكردية ـ وفي مقدمهم الحزبان الرئسيان المتخاصمان ـ تجاوز مشاكلهم وكسب تعاطف وثقة

العديد من الدول الكبرى، ومن ثم الإعلان عن برلمان منتخب ديمقراطياً، وتأسيس كيانات مؤسساتية إدارية في فترة قياسية، انتدبوا فيها خير ما لديهم من سياسيين وقياديين كانوا في المنفى من أمثال السادة برهم صالح وهوشيار زيباري ومحمود عثمان بالإضافة إلى القائدين الكرديين جلال طالباني ومسعود بارزاني حيث تكاتفت الطاقات الكردية جميعا، العلمانية والإسلامية من أجل النهوض بالمهمة الشاقة التي طال انتظارها عقودا من الزمن، استقلال الكرد في إدارتهم محلياً. 

مقابل ذلك، تشرذم العرب العراقيون في عام 1991، بين منتفض على نظام صدام حسين، ومدافع عنه، وآخر مستسلم "لمن سيتزوج أمه ليسميه عمه". فكان أن تخلص العراقيون الكرد من السلطة المركزية لنظام بغداد وبقى العراقيون العرب تحت سلطة الديكتاتور ولعنة الحصار الدولي الجائر. عندها راحت تجربة كردستان العراق تنمو، تتطور، وتزدهر، فيما تجربة عربستان العراق تنهار، وتتفسخ وتتلاشى حتى طل عام سقوط بغداد وسلطتها المركزية. 

في 2003، كان الكرد على استعداد لإدارة دولة مساحتها "أكبر من هولندا وأكبر أربع مرات من مساحة لبنان" وقد نجحوا خلال السنوات التسع الماضية في الارتقاء بكردستان العراق اقتصاديا وأمنيا ومن إعلاء سمعتها كإقليم واعد في مجالات عديدة ليس أكبرها مجال الاستثمار. أما العرب العراقيون بعد 2003 فبرزت خلافاتهم العقائدية والطائفية والمناطقية وصاروا فصيلين يخشى من وقوع حرب أهلية مدمرة بينهما، رغم وجود النوايا الطيبة في الطرفين. صار العرب في العراق يفكرون في من منهم السني، ومن منهم الشيعي، فلجأ السنة إلى من يدعمهم ضد "المدّ الصفوي" ولجأ الشيعة إلى من يحميهم ضد الخطر "الوهابي الصدامي"، ولولا رحمة الله وهمة الخيرين من الطرفين لما وقف أهل الانبار ضد القاعدة، ولم يعترف الشيعة بوجود عناصر في المليشيات المسلحة تسيء إلى سمعتهم. 

كان عام 2008 عاما هدأت فيه النفوس، واستعاد العرب شيئا من توازنهم الطبيعي، لا بفضل قدرات من يدير الدولة منهم، بل بفضل رجال دين مخلصين، وشيوخ عشائر نهضوا ضد الباطل. (ورحمة ربك خير مما يجمعون). 

فشلت الادارة العربية للعراق في صناعة نموذج عربي لإدارة الدولة، بينما نجح الكرد في بناء نموذجهم الفريد في وضع الإداري المناسب في المكان المناسب. نجح الكرد في وضع السيد جلال الطالباني في رئاسة العراق، ووضع الاستاذ هوشيار زيباري ممثلا لوجه العراق في الخارج، ووضع اللواء أنور قائدا للقوة الجوية العراقية، والفريق بابكر زيباري رئيسا للأركان العراقية .. فيما راح العرب يتخبطون في وضع أقربائهم ومحازبيهم في هذه الوزارة أو تلك، بل إن كثيرا منهم دخل الى الدولة عن طريق الرشوة "والأوراق من فئة مئة دولار". وهو الامر الذي أزرى بحال العراقيين العرب، وجعلهم دون ما يكفي من الامن والكهرباء والخدمات الاخرى. 

فلنطلب من الكرد أن يعلمونا كيف استطاعوا أن يبنوا مدنهم بما هو أجمل من بغداد والبصرة والموصل، وكيف استطاعوا أن يختاروا لبرلمانهم أفضل ما لديهم من قادة ومسؤولين! أيها الكرد علموا العرب كيف تكون إدارة الدولة! علموهم كيف يرتقون بسمعة بلدهم بين البلدان، وكيف يبنون علاقاتهم مع الدول الأخرى، فهم اليوم بحاجة إليكم. 

منشور في جريدة العالم